إنّ فكرة استسلام المرء في كُلَّ لحظَاتِه هي طبعٌ من طبائع النَّفسِ الخبيثَة وسطوةِ غَباءٍ يعمىٰ المرءُ عليها عِندَ فَقدِ السَّيطَرة، وهي ناتِجةٌ عن إرادة المرءِ طوعًا لِغلَبةِ الشيطان ولو شاءَ ما غُلِب، ففي لحظةِ الإحباطِ يُخيَّرُ المرءُ بين أن يستسلِمَ بدَعوىٰ العَجز ونقصِ القُدرَة، أو أن يَصمُدَ ويكسِرَ شوكةَ تِلكَ الإرادةِ الخبيثة ويمحَقَها بصلابَةِ إِيمَانِه وصِدقِ توكُّلِه.
فإن قَالَ القَائِل أنَّ حالَةَ الاِستِسلامِ اضطِرارٌ ولَيسَ لليَدِ فِيها حِيلة، فأقولُ لَهُ قطعًا أنَّ المرءَ في فترَةِ استِسلامِه واجِبٌ عليه مُقاوَمةُ هذا الخاطِرِ السّيِّء والنّهوضُ بِقُوَّةٍ ولو كان في الأمرِ عُسر، فلو فَعَل ونَهض، لوجد أنّه كان يستَطيع ـ ولو كان ذلك بِخطواتِ قدمٍ تَالِفةٍ تشدُّ نفسَها علىٰ أرضِ الجَمر ـ وأنَّه إنَّما كانَ يُسقِطُ نفسَهُ بِنفسِه، فالأجدر بِه في تلكَ اللحظة أن يضحَكَ مِن نفسِه وقُنوطِه واستسلامِه لسُلطانِ هذا الاِحباط وأنَّه لو استرسَلَ فِيهِ لرَأت بِه عينُهُ الهَلاك وما درىٰ.
لا تَستَسلِموا! اِنهَضوا! أنفُسَكُم جاهِدوا وعلىٰ رَبِّكُم فتوكَّلوا.


