كُلُّ الحَوادِثِ مَبدَؤُها مِنَ النَّظَر
وَمُعظَمُ النّارِ مِن مُستَصغَرِ الشَّرَراعلم أنَّ العينَ بابُ القلب، وأنَّ ما تُدخله العينُ على القلب لا يلبث أن يظهر أثره على الجوارح؛ فالنظرةُ رسولٌ صامت، قد تحمل في طيّاتها هلاكَ صاحبها، وهي وإن كانت لحظةً عابرة في الحسّ، فإنها قد تستقرُّ في القلب استقرارَ النار في الحطب اليابس.
وما أُصيبَ كثيرٌ من أهل الهوى إلا من باب النظر؛ فإن الشيطان لم يزل يزيّن للعبد أول الأمر صغائر المداخل، ويُريه أن الأمر يسير، حتى إذا تمكنت الصورة من قلبه، وألفتها النفس، صار ما كان يراه عابرًا قيدًا يأسره، وبلاءً يعجز عن دفعه.
فالنظرةُ سهمٌ مسموم؛ لا يقتل في الحال، ولكنَّه يُصيب موضعًا لا يراه الناس، فيُضعف القلب، ويُكدّر صفوه، ويُذهب لذّة الطاعة، ويُشغل الفكر بما لا ينفع، حتى يصبح صاحبها أسيرَ صورةٍ لا يملك منها شيئًا، ولا يملك قلبَه عنها انصرافًا.وما أشدَّ عذابَ قلبٍ تعلّق بما لا سبيل له إليه؛ يطلب قربًا لا يُنال، ويتمنى وصلاً لا يُدرك، ويعيش بين لذّة خيالٍ وألم حقيقة؛ فالعاشقُ أسيرُ معشوقه، ذليلٌ له وإن لم يملك المعشوق له سلطانًا، وقد يهون على المرء أن يُذلَّ جسده، ولا يهون أن يُستعبد قلبه لهواه.
وليس فسادُ النظر مقصورًا على شهوة الجسد، بل يفسد العقل أيضًا؛ فإن العقل إذا صار تابعًا للهوى ضعف نظره في العواقب، وصار يرى اللذة القريبة ويغفل عن الألم البعيد، وهذه علامة نقصان العقل؛ فإن كماله أن ينظر في مآلات الأمور لا في بداياتها.
ومن أعظم البلاء في هذا الزمان أن صارت الفتن تُعرض على العيون عرضًا متتابعًا في المواقع والشاشات، حتى يألف القلب ما كان يستقبحه، وتضعف فيه حرارة الإيمان، ويصبح المنكر مألوفًا لكثرة التكرار.
فغضُّ البصر ليس حبسًا للعين، وإنما هو تحريرٌ للقلب؛ فإن من ملك عينه ملك شهوته، ومن ملك شهوته ملك إرادته، ومن ملك إرادته كان عبدًا لله لا عبدًا لهواه.قال الله تعالى:﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ﴾.
وقال ابن القيم رحمه الله:"النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس، ومن أطلق لحظاته دامت حسراته؛ فإن النظر يولد الخاطر، والخاطر يولد الفكرة، والفكرة تولد الشهوة، ثم لا يزال الأمر يتدرج حتى يقع العبد في أسرها."
ـ وهذه عشرُ فوائد عظيمة أوردها الن القيم رحمه الله في غضّ البصر، وقد قُمتُ بتلخيصِها:
← الفائدة الأولىٰ : تخليصُ القلب من ألمِ الحَسرة، فإنَّ من أطلَقَ نظَرهُ دامَت حسرته، فلا أضرّ عليه من أن يُرسل بصره إلى ما لا صبر لَهُ عليه، وذلك غاية الألم والعذاب. ← الفائدة الثانية:أنَّه يورِثُ القَلب نُورًا وإشراقًا يظهر في العين، وفي الوجه، والجوارح، كما أنّ إطلاقَ البصر يُورِثُه ظلمةً تظهرُ في وجهه وجوارِحِه. ← الفائدة الثالِثة : أنَّه يورِثُ صِحّة الفراسة، فهي من النُّور وثمراته، وإذا استنار القلبُ صحّت الفِراسة " من حَبَس بصرَهُ عن المحارِم أطلَق الله بصيرتَه"← الفائدة الرّابعة: أن يفتَحَ له طُرُق العلم وأبوابه، ويسهِّلَ عليه أسبابه، وذلك من نور القلب، فإنَّه إذا استنار ظهرت فيه حقائقُ المعلومات، وانكَشفت له بِسُرعة، ونفذ من بعضِها إلىٰ بعض، وكن أرسَلَ بصرَهُ تكدَّر عليه قلبُه وأظلَم، وانسدَّ عليه بابُ العِلم وطُرُقه. ← الفائدة الخامسة: أنّه يورثُ قوَّة القلب وشجاعته، فيجعل الله ﷻ له سُلطان البصيرة مع سُلطان الحجّة، وتجد المتبّع لهواه ذليلَ القَلب ضعيفًا، مُهانَ النَّفسِ مُحتقرًا.
"أبىٰ الله إلَّا أن يُذِلَّ من عَصاه. ← الفائدة السَّادسة:أنّه يورِثُ القلب سُرورًا، وفرحةً وانشِراحًا أعظم من اللّذة والسُّرور الحاصل بالنّظر، وذلك لقهره عدوَّه بمخالفته، ومخالفة نفسِه وهواه.
ففي كفّ لذّته، وحبس شهوتِه لله، وفيها مسرّةُ نفسه الأمّارة، أعاضهُ الله سبحانه مسرّة ولذَّةً أكملمنه. ← الفائدة السابعة: أنّه يخلِّصُ القلب من أسرِ الشّهوة، فإنّ الأسيرَ هو أسيرُ شهوتِه وهواه، ومتىٰ أسرت الشّهوة والهوىٰ القلب تمكّن منه عدوُّه، وسامَهُ سُوءُ العذاب. ← الفائدة الثّامِنة: أنَّه يسدُّ عنه بابًا من أبواب جهنّم، فإنَّ النَّظر بابُ الشّهوة الحامِلة علىٰ مُواقعة الفِعل، وتحريم الربِّ تعالىٰ وشرعه حِحابٌ مانِعٌ من الوُصول، فمتىٰ هتك الحِجابُ ضرِيَ علىٰ المَحظور، ولم تقِف منه عند غاية، فإنَّ النَّفس في هذا الباب لا تقنع بِغايةٍ تقِفُ عندها. ← الفائدة التّاسِعة: أنّه يُقوِّي عَقلَهُ ويزيدُه ويُثبِّته، فإنَّ إطلاق البصَر وإرساله لا يحصُل إلّا من خِفّة العقل وطيشِه، وعدم ملاحظته للعواقِب، فإنّ خاصَّة العقل ملاحظةُ العواقِب، ومُرسلُ النّظر لو علِم ما تَجني عواقِبُ نظره عليه لما أطلَق بصره. ← الفائدة العاشِرة: أنّه يُخلِّصُ القلب من سُكر الشهوة، ورقدة الغفلة، فإنّ إطلاق البصر يوجِبُ استحكام الغفلة عن الله والدّار الاخرة، ويُوقِع في سكرة العِشق، وسكر العشق أعظم من سُكر الخمر، فإن السّكران يفيق، وسكران العِشق قلّما يفيق إلّا وهو عَسكَر الأموات.فاحذر يا عبد الله نظرةً تستهين بها؛ فإنَّ سهام الأبصار قد تُصيب القلوبَ حيث لا يشعر أصحابها، وربَّ نظرةٍ أورثت حُرقةَ العمر، وربَّ غضِّ بصرٍ أورث نورَ القلب وسلامةَ الصدر. فمن حفظ عينه عن الحرام حفظ الله عليه قلبه، ومن أطلقها في طرق الفتنة أطلق على نفسه بابًا من أبواب الألم والعبودية للهوى.
ـ كتبه الفقير لرحمة ربّه: عابِرُ سَبيل، عفا الله عنه وعن أهلِه ومشايخِه والمسلمين والمسلمات.



جزاك الله كل خير
- أستغفر الله العظيم و أتوب إليه.
- لا حول و لا قوة إلا بالله.
- اللهم صل و سلم على نبينا محمد.
- الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
- لا إله إلا الله وحده لا شريك له.
- الحمدلله، الحمدلله، الحمدلله.
- سبحان الله و بحمده، سبحان الله العظيم.