قلبٍ إلا وله وقتٌ يُمتحن فيه؛ تتداعى عليه الخطوب من كل وجه، فيُؤتى في دينه أو دنياه، أو أهله، أو صحته، أو رزقه، أو نفسه، حتى تنقطع حيله، وتخذله قوّته، ويقف على باب العجز، لا يرى لنفسه إلا ربًّا يلوذ به، وكم من كَلِيمٍ لا يجد لشكواه موضعًا؛ قد أطبق على سرِّه صمتًا، وعلم أن الخلقَ لا يجبرون كسرًا أراده الله، ولا يكسرون أمرًا أراد الله جبرَه، فآثر أن يطوي وجعَه حتى يرفعه إلى من بيده الكسرُ والجبرُ، والقبضُ والبسطُ، والبلاءُ والعافية.
يعلم الله ما تكابدون من غُصص الآلام التي تضيق عنها العبارة، ويعلم سبحانه ثقل الليالي الجاثمة على قلوبكم المتعبة، وأجسادكم المنهكة. يرى الله دموعكم المنسكبة في خلواتكم، ويسمع أنينكم الصامت في عتمة البلاء، ولا يخفى عليه كسر نفوسكم ونكوص خطاكم. ولكن صبرا صبرا؛ فإن الله لم يخلقكم في هذه الدار لتدوم لكم السلامة، بل أُخبرنا يقينًا أنّا سنلقى فيها العناء والنّصب؛ فالدنيا معبرٌ لا مستقرّ، ومضمار تُمتحن فيه النفوس، وتُبتلى فيه سرائر العزائم.فاتقوا الله حق تقاته في السر والعلن، واجعلوا مَجالَ فكركم في معرفة الله ومطالعة أسمائه وصفاته؛ فكلما اتسع علم العبد بالله، زال همّه، وقرّت عينه، واطمأنت نفسه، وعمر قلبه بخشيته، وشهد عظيم رحمته وبرّه. إيّاكم ومساخطه، ومحاذر معاصيه، وإذا نزل بكم كربٌ ففتشوا في زوايا الذنوب، وجددوا العهد بالتوبة، وجثوا على الركب بالدعاء والافتقار لربكم أن يشفي القلوب، ويبرئ الأجساد؛ فما أُلقي عبدٌ في لُجّة بلاء إلا بذنب، وما نجا منه إلا بتوبة.وعليكم باليقين الصادق، والصبر الجميل، وإياكم واستعجال الثمر؛ فالرضا الرضا، والدعاء الدعاء، فهو سهمكم الذي لا يخطئ. لا تفتروا عن السير إلى الله وعن السعي لدار القرار، وكلما خبت في أرواحكم العزيمة، أو ضعفت أنفسكم، فجدّدوا نيّاتكم فذكّروها بالموعد المنتظر في الجنة، وحادوا أرواحكم بذكر النعيم المقيم.وكلما تعثرت خطاكم وزللتم، فثوبوا إلى ربكم، فسبحان من جعل باب التوبة مشرعًا ما لم تغرغر النفوس، مهما تعاظمت في عين العبد ذنوبه، ومهما طال به العمر. واعلموا يقينًا أن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وفي هذا اليقين غنىً يشهدكم أن لا ظلم مع الله، بل هو المحض في فضله وعدله.واعلموا أنه ما من نازلة أو مشكلة تنزل بالعبد إلا ولها في دين الإسلام مخرج وحل، ما دمتم منقادين لله بالتوحيد؛ ففي هذا الدين جلاء كل كرب، وحل كل معضلة في الدين والدنيا، ظهرت لكم وجهتها أم عميت عن أبصاركم. فلا تذهبوا أنفسكم حسرات على دنيا زائلة، وحطام فانٍ؛ بل اصبروا وصابروا ورابطوا وجاهدوا أنفسكم لعلكم تفلحون.
وأحسنوا الظن بربكم اللّطيف، وإيّاكم وسوء الظن به أو القنوط من رحمته؛ فإن سؤ الظن يوجب طرد القلب عن الباب، ويُغضب الرب العظيم اللطيف الذي يُحب من عبده أن يستبشر به، ويرجو فضله، وينتظر فرجه. كيف تسيئون به الظن وهو المنّان الذي عوّدكم الإحسان قبل أن تسألوه، وخلق لكم من كل ضيق مخرجًا؟
علِّقوا قلوبكم به واسألوه وحده فإنّه والله نِعم المُعتمد، استبشروا بربكم، فما ظنكم برب العالمين إلا الجبر والرحمة والفضل العظيم.
لـ لِكاتِبِها يَراعُ الأريب.



كلماتك ابكتني في وقتها تماما..