يأتِي على النفس أوقَاتٌ يُقاسُ بِها مَقامُ العبد عِند ربّه وخُيِّرتْ تِلك اللحظاتُ لِتكون الغِربالَ الفاصِل في شِدّة خوف العبد من ربّه وتقواه لَهُ.. فيُلقىٰ عليه لذيذِ الهوى بِبساطتِه الظَاهِرة وليس أشدّ على النفس حينها من أن تُؤمر بخلاف ما تشتهي.. ولا أن تُنتزع منها رغبةٌ أتتها، لكنّ تلك اللحظة التي يقف فيها المرء على باب هواه ثم يُعرض عنه، هي الفاصلة بين عبوديّة الشهوة وحرّية الروح..
فما سُجن قلبٌ تحت سلطان الشهوة إلا ضاق، وما انقاد عقلٌ لنداء الهوى إلا أظلم، إذ لا يُنبت الهوى إلا ندماً، ولا يُثمر إلا حسرةً تلتفّ على القلب كما تلتفّ السلاسل على الأسير.
فلذّة الانتصار على النفس أعظم من كلّ لذّةٍ تُنال باتّباعها،هي لذّةٌ صامتة راسخة لا يراها الناس ولكن يحسّها صاحبها تسري في صدره سريان النور في الظلمة وتبعثُ فِي قَلبِه سكينةً ورِضًا لا يُعوّض بِغيرِه..
فمن قهر هواه، ملك نفسه، ومن ملك نفسه، ملك دنياه وآخرته.
أما إذا انقادت النفس للهوى، فقد سقطت في امتحانٍ أراد الله به أن يختبر صدق التقوى، فإذا بها تهوي من فجوةٍ ضيّقة في غربال البلاء..
غشِيَ القلبَ ضيقٌ خانق، وامتلأت الروح بكؤوس الندم المرّة، تُدار عليها واحدةً تلو الأخرى، فلا يُطفئ لظاها بكاءٌ ولا يخفّفها عذر.
هنالك تدرك النفس أن اللذة كانت سرابًا، وأن الخسارة كانت في لحظةٍ تهاونٍ لم تُوزَن بميزان الخشية..
ذلك أنّ الشهوة تُعطيك لحظةً وتأخذ منك عمراً، وأمّا الصبر عنها فيُعطيك راحةً لا يقطعها موتٌ ولا يُفسدها ندم..
يقول ابن القيّم:
«مخالفة الهوى تُقيم العبد في مقام من لو أقسم على الله لأبرّه؛ فيقضي له من الحوائج أضعاف أضعاف ما فاته من هواه، فهو كمن رغب عن بعرةٍ فأُعطي عوضها دُرّة، ومتبع الهوى يفوته من مصالحه العاجلة والآجلة والعيش الهنيء ما لا نسبة لما ظفر به من هواه البتّة.»
وتذكّر أنّ الهوى وربِّ العرش يبدأ همسًا خفيًّا، ثمّ ما يلبث أن يستعبد القلب، يزيّن له الباطل، ويُسدل على بصيرته سُحُب الغفلة، حتى يُؤخذَ من بين يديه وهو لا يشعر.
راقب الله في خلواتك؛ فإنّ أعظم السقوط ما بدأ بخطوةٍ لم تُرَ، وأخطر الذنوب ما استُصغِر أوّلَه.
وإذا همّت نفسك بأمرٍ، فزِنْه بميزان التقوى، فإن وجدت فيه ريبةً فاهرب، فكم من شهوةٍ يسيرة أورثت عمرًا من خزيٍ وضيقٍ لا يُحتمل وجرّت على القلب قسوةً لا تَلِين وغلّفته رانًا صلبًا!
ـ كتبه الفقير لرحمة ربّه: عابِرُ سبيل، غفر الله له ولوالديه وأحبّته ولجميع المسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات.



فلذّة الانتصار على النفس أعظم من كلّ لذّةٍ تُنال باتّباعها،هي لذّةٌ صامتة راسخة لا يراها الناس ولكن يحسّها صاحبها تسري في صدره سريان النور في الظلمة وتبعثُ فِي قَلبِه سكينةً ورِضًا لا يُعوّض بِغيرِه..
فمن قهر هواه، ملك نفسه، ومن ملك نفسه، ملك دنياه وآخرته.
مقال رائع مؤثر
بارك الله فيكم ونفع بكم يارب